تمهيد لخلافة صعبة
عقب وفاة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، في ظروف مضطربة، واجهت الأمة الإسلامية تحديًا كبيرًا في اختيار خليفة جديد. كانت المدينة المنورة تحت سيطرة جماعات من الكوفة والبصرة ومصر، مما جعل عملية الاختيار معقدة وغير مسبوقة في تاريخ الإسلام.
لم يكن الاتصال سهلاً بين الأمصار المختلفة، مما أضاف غموضًا حول سير الأحداث في بقية الدولة. كما أن تصرفات المتمردين كانت غير متوقعة، مما أثار مخاوف من تصعيد العنف، وربما اتخاذ بعض الصحابة قرارات فردية في ظل غياب قيادة واضحة.
اختيار علي بن أبي طالب
في هذه الظروف الصعبة، رأى الصحابة أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، هو الأنسب لتولي الخلافة لعدة أسباب:
- كان من أفضل الصحابة الأحياء في ذلك الوقت.
- كان مرشحًا للخلافة من قبل إلى جانب عثمان قبل اثني عشر عامًا.
- كان أحد الأسماء التي ذكرها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كأهل للخلافة، وقد تقلص عددهم بعد مقتل عثمان ووفاة عبد الرحمن بن عوف.
كما أن هناك بعض الأحاديث النبوية التي يمكن أن يُستنبط منها تفضيل هذا الترتيب للخلفاء الراشدين، مثل حديث الدلو الذي رواه أبو داود وأحمد، وحديث العشرة المبشرين بالجنة.
موقف علي من الخلافة
على الرغم من مكانته وأهليته، أبدى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، زهدًا في تولي الخلافة في هذا الوقت. كان يشعر بثقل المسؤولية وصعوبة الاختبار في زمن الفتنة، كما كان يخشى أن يُفسر قبوله للخلافة على أنه رضا عن مقتل عثمان، وهي تهمة كان ينفيها بشدة.

روى محمد بن الحنفية أن الناس أتوا عليًا بعد مقتل عثمان وعرضوا عليه الخلافة، فقال لهم: «لا تريدوني، فإني لكم وزير خير مني لكم أمير». لكن إصرارهم جعله يقبل بشرط أن تكون البيعة علنية في المسجد، وليس في السر.
البيعة في المسجد
خرج علي بن أبي طالب إلى المسجد، وهناك بايعه المهاجرون والأنصار، وهم أهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية. هذه البيعة العلنية أمام الجميع أكدت شرعية خلافته، وأظهرت إجماعًا واسعًا من الصحابة في المدينة على اختياره.
من الجدير بالذكر أن الصحابيين الجليلين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، بايعا عليًا طواعية ودون إكراه، وهو ما يؤكد صحة البيعة ومقبوليتها في ذلك الوقت.

